محمد بن جرير الطبري

55

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إعادتها مع كل فعل . كما كان الفصيح من الكلام إعادتها مع كل فعل ، إذا كانت بعد الفعل متصلة به ، وإن كان ترك إعادتها جائزا . وقد ظن بعض من لم يمعن النظر أن إعادة " إياك " مع " نستعين " بعد تقدمها في قوله : إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ بمعنى قول عدي بن زيد العبادي : وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به * بين النهار وبين الليل قد فصلا وكقول أعشى همدان : بين الأَشج وبين قيس باذخ * بخ بخ لوالده وللمولود وذلك جهل من قائله ؛ من أجل أن حظ " إياك " أن تكون مكررة مع كل فعل لما وصفنا آنفا من العلة ، وليس ذلك حكم " بين " لأَنها لا تكون إذا اقتضت اثنين إلا تكريرا إذا أعيدت ، إذ كانت لا تنفرد بالواحد . وأنها لو أفردت بأحد الاسمين في حال اقتضائها اثنين كان الكلام كالمستحيل ؛ وذلك أن قائلا لو قال : الشمس قد فصلت بين النهار ، لكان من الكلام خلفا لنقصان الكلام عما به الحاجة إليه من تمامه الذي يقتضيه " بين " . ولو قال القائل : " اللهم إياك نعبد " لكان ذلك كلاما تاما . فكان معلوما بذلك أن حاجة كل كلمة كانت نظيرة " إياك نعبد " إلى " إياك " كحاجة " نعبد " إليها ، وأن الصواب أن تكرر معها " إياك " ، إذ كانت كل كلمة منها جملة خبر مبتدأ ، وبينا حكم مخالفة ذلك حكم " بين " فيما وفق بينهما الذي وصفنا قوله . القول في تأويل قوله تعالى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ قال أبو جعفر : ومعنى قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ في هذا الموضع عندنا : وفقنا للثبات عليه ، كما روي ذلك عن ابن عباس . حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس قال : قال جبريل لمحمد : وقل يا محمد اهدنا الصراط المستقيم " ، يقول : ألهمنا الطريق الهادي . وإلهامه إياه ذلك هو توفيقه له كالذي قلنا في تأويله . ومعناه نظير معنى قوله : إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ في أنه مسألة العبد ربه التوفيق للثبات على العمل بطاعته ، وإصابة الحق والصواب فيما أمره به ونهاه عنه فيما يستقبل من عمره دون ما قد مضى من أعماله وتقضى فيما سلف من عمره ، كما في قوله : إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ مسألة منه ربه المعونة على أداء ما قد كلفه من طاعته فيما بقي من عمره . فكان معنى الكلام : اللهم إياك نعبد وحدك لا شريك لك ، مخلصين لك العبادة دون ما سواك من الآلهة والأَوثان ، فأعنا على عبادتك ، ووفقنا لما وفقت له من أنعمت عليه من أنبيائك وأهل طاعتك من السبيل والمنهاج . فإن قال قائل : وأنى وجدت الهداية في كلام العرب بمعنى التوفيق ؟ قيل له : ذلك في كلامها أكثر وأظهر من أن يحصى عدد ما جاء عنهم في ذلك من الشواهد ، فمن ذلك قول الشاعر : لا تحرمني هداك الله مسألتي * ولا أكونن كمن أودى به السفر يعنى به : وفقك الله لقضاء حاجتي . ومنه قول الآخر : ولا تعجلني هداك المليك * فإن لكل مقام مقالا فمعلوم أنه إنما أراد : وفقك الله لإِصابة الحق في أمري . ومنه قول الله جل ثناؤه : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ في غير آية من تنزيله . وقد علم بذلك أنه لم يعن أنه لا يبين للظالمين الواجب عليهم من فرائضه . وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه ، وقد عم بالبيان جميع المكلفين من خلقه ؟ ولكنه عنى جل وعز ، أنه